أحمد زكي صفوت
241
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
بعضا ، ويغير بعضنا على بعض ، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا ، فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك ، فبعث اللّه إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ، ونعرف وجهه ومولده ، فأرضه خير أرضنا ، وحسبه خير أحسابنا ، وبيته أعظم بيوتنا ، وقبيلته خير قبيلتنا ، وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها ، أصدقنا وأحلمنا ، فدعانا إلى أمر ، فلم يجب أحد أوّل من ترب كان له ، وكان الخليفة من بعده ، فقال وقلنا ، وصدّق وكذبنا ، وزاد ونقصنا فلم يقل شيئا إلا كان ، فقذف اللّه في قلوبنا التصديق له واتباعه ، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين ، فما قال لنا فهو قول اللّه ، وما أمرنا فهو أمر اللّه ، فقال لنا : إن ربكم يقول : إني أنا اللّه وحدى لا شريك لي ، كنت إذ لم يكن شيء ، وكل شيء هالك إلا وجهي ، وأنا خلقت كل شيء ، وإلىّ يصير كل شيء ، وإن رحمتي أدركتكم ، فبعثت إليكم هذا الرجل ، لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي ، ولأحلّكم دارى دار السلام ، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق ، وقال : من تابعكم على هذا ، فله ما لكم وعليه ما عليكم ، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم ، ومن أبى فقاتلوه ، فأنا الحكم بينكم ، فمن قتل منكم أدخلته جنتي ، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه ، فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر ، وإن شئت فالسيف ، أو تسلم فتنجى نفسك » . فقال يزدجرد : أتستقبلني بمثل هذا ؟ لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم ، لا شيء لكم عندي ، ثم قال : ائتوني بوقر « 1 » من تراب ، فقال احملوه على أشرف هؤلاء ، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن . ( تاريخ الطبري 4 : 92 ، والكامل لابن الأثير 2 : 223 )
--> ( 1 ) الوقر : الحمل الثقيل أو أعم .